أبي منصور الماتريدي
485
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أسباب ، ومن شيء ومن لا شيء . ويذكر نعمه : حيث أخبر أنه خلق في الأرض من الأصناف المختلفة ، والجواهر المتفرقة ؛ لينتفعوا بها . ويحتمل قوله : مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ من جنس واحد ؛ من شيء واحد ؛ لأنه يكون من جنس واحد ألوان مختلفة ، ومن قدر على إنشاء ألوان مختلفة من شيء واحد لا يعجزه شيء . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ، وفي آية : لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ، وفي آية لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ، وفي آية : لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [ لقمان : 31 ] ، و لِلْمُتَوَسِّمِينَ ، وفي آية : لِلْمُؤْمِنِينَ * . فيحتمل أن يكون كله كناية عن المؤمنين ؛ كأنه قال : إن في ذلك لآية للمؤمنين ؛ إذ يجمع الإيمان جميع ما ذكر : من التفكر ، والتذكر ، والعقل ، والاعتبار ، والصبر ، والشكر ، وغيره . ويحتمل : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ، و يَعْقِلُونَ ، و يَذَّكَّرُونَ : أي : لقوم همتهم الفكر والنظر في الآيات ، ولقوم همتهم التفهم والاعتبار فيها ، لا لقوم همتهم العناد ، والمكابرة ، والإعراض عن النظر في الآيات والفكر فيها . وفي ذكر الآية للمتفكرين ، والعاقلين ، والمتذكرين : لما منفعة الآية تكون لهؤلاء ، وإن كانت الآيات لهم ولغيرهم ، فمنفعتها لمن ذكر . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا . وتسخيره إياه لنا : هو ما بذل للخلق ما فيه من أنواع الأموال التي خلق الله فيه : من الحلى والجوهر واللؤلؤ ، وبذل ما فيه من الدوابّ : السمك وغيره ، فلولا تسخير الله إياه للخلق ؛ وتعليمه إياهم الحيل التي بها يوصل إلى ما فيه من الأموال النفيسة ؛ وإلا ما قدروا على استخراج ما فيه والوصول إليه ؛ لشدة أهواله وأفزاعه . وقوله - عزّ وجل - : لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا . يحتمل السمك خاصة . ويحتمل السمك وما فيه من الدوابّ ؛ من نوع ما لو كان بريّا أكل ؛ من نحو الجواميس وغيرها . وقوله تعالى : وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها . يحتمل الحلية : اللؤلؤ والمرجان ؛ الذي ذكر في آية أخرى ؛ حيث قال : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [ الرحمن : 22 ] . ثم يحتمل قوله : حِلْيَةً : أي : ما يتخذ منه حلية . وهذا جائز ؛ أن يسمّى الشيء باسم ما يتخذ منه ؛ وباسم ما يصير به في المتعقب . أو يسمى حلية ؛ لأنه زينة .